عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
442
اللباب في علوم الكتاب
عن عبادته . لمّا رغّب رسوله في الذّكر ذكر عقيبه ما يقوّي دواعيه فقال : « إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ » أي أنّ الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وبراءتهم من بواعث الشّهوة والغضب ، والحقد ، والحسد ، مواظبون على العبوديّة والسّجود ، والخضوع ، فالإنسان المبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدا للذات البشرية أولى بالمواظبة على الطّاعة ، والمراد بالعندية القرب بالشّرف . واستدلّوا بهذه الآية على أنّ الملائكة أفضل من البشر ، لأنّه تعالى لمّا أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : « إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ » أي : فأنت أحقّ وأولى بالعبادة ، وهذا إنّما يصحّ إذا كانت الملائكة أفضل منه . قوله : « وَيُسَبِّحُونَهُ » أي : ينزّهونه ويقولون سبحان اللّه : « وَلَهُ يَسْجُدُونَ » . فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [ الحجر : 30 ، 31 ] والمراد أنهم سجدوا لآدم ؟ فالجواب : قال بعض العلماء : الذين سجدوا لآدم - عليه السلام - ملائكة الأرض ، وأمّا ملائكة السّموات فلا ، وقيل : إنّ قوله « وَلَهُ يَسْجُدُونَ » يفيد أنّهم ما سجدوا لغير اللّه بهذا العموم ، وقوله : فسجدوا لآدم خاص والخاصّ مقدّم على العام . فصل [ في اعتزال الشيطان عند سجود ابن آدم ] روى أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله ! أمر ابن آدم بالسّجود فسجد فله الجنّة وأمرت بالسّجود فعصيت فلي النّار » « 1 » . وعن معدان قال : سألت ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قلت : حدّثني حديثا ينفعني اللّه به . قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ما من عبد يسجد للّه سجدة إلّا رفعه اللّه بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة « 2 » . وروي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من قرأ سورة الأعراف جعل اللّه بينه وبين إبليس سترا وكان آدم شفيعا له يوم القيامة قريبا منه » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة رضي اللّه عنه في الصحيح 1 / 7 . كتاب الإيمان : باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة الحديث ( 133 / 81 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصحيح 1 / 353 ، كتاب الصلاة : باب فضل السجود . الحديث ( 225 / 488 ) . ( 3 ) أخرجه الواحدي في « الوسيط » ( 2 / 345 ) وهو حديث أبيّ الطويل في فضائل القرآن سورة سورة ، وهو حديث موضوع .